العلاقات العامة عبر الزمن: من الممارسة البدائية إلى الذكاء الاصطناعي
بسام القحطاني
6/4/20261 min read
إن العلاقات العامة في الحاضر والماضي تُعد قصة تطور سجّلت ملاحم تاريخية في تصاعد أهمية هذا المجال، وعملت على تطويره، حيث إن ماضي العلاقات العامة ليس كحاضرها المعاصر، وذلك لأنه قد تخللته مفاهيم وجماهير أخرى، ولكن وبرغم من ذلك التطور إلا أنه يبقى جوهر العلاقات العامة المتمثل في ربط الجمهور بالمؤسسة مستدامًا في جميع مراحلها، كما سيتضح معنا في هذا المقال الذي يعرض لنا الماضي والحاضر الذي عاصرته العلاقات العامة. ماضي العلاقات العامة: إن العلاقات العامة كممارسة قديمة قدم البشرية، فكانت تُمارس ببدائية وكنوع من القوة، تجلت هذه الممارسة لدى القادة والزعماء عندما يريدون التأثير على المجموعة التي يسيطرون عليها، فإنهم يستخدمون تقنيات الاتصال والإقناع للتأثير والوصول إلى الرأي العام، مثل نشر مناقب الحاكم أو القبيلة وتخليدها بشعر ونثر وكتابة وغيرها، وهذا الذي أعطى صيغة تنافسية ينطلق منها مبادئ تحسين الصورة الذهنية والسمعة. أما العلاقات العامة كمهنة متخصصة حديثة فقد بدأت في أوائل القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد جاءت العلاقات العامة كمهنة نتيجة الازدهار الاقتصادي والصناعي، فبرزت حاجة المؤسسات للوصول إلى الرأي العام بهدف كسب تأييد الجماهير وإدارة العلاقة معهم. ومن هنا صاغ المحامي الأمريكي دورمان إيتون أول مفهوم للعلاقات العامة، وذلك كان في خطاب ألقاه بعنوان “العلاقات العامة وواجب المهنة القانونية”، وكان ذلك في عام 1882. حاضر العلاقات العامة: شهدت العلاقات العامة في العقدين الأخيرين نقلة نوعية هائلة، وهذا نتيجة التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الحديثة، فمن نشر خبر أو إعلان على وجه صحيفة إلى إدارة تأثير واسع وشامل للجماهير وفهم توجهاتهم وآرائهم، فلم تعد الرسالة ذات اتجاه واحد، بل أصبح الجمهور فعالًا في تلقي الرسائل والاستجابة لها والتأثير عليها. لذلك يجب صياغة الرسائل وملاءمتها حسب طبيعة الجمهور، وهذا بطبيعة الحال أدى إلى تغير جذري في العلاقات العامة وممارستها. فالعلامات التجارية اليوم تحرص على أن يكون لها قصص تُحكى وتلامس مشاعر الجمهور وتخلق ولاءً حقيقيًا، ومن يسرد ويصنع تلك القصص هي العلاقات العامة الفعالة التي تواكب التطورات الحديثة. • تحولات الجمهور من العام إلى جماعات مستهدفة كما قلنا سابقًا إن الوصول للجمهور أصبح أكثر تحديدًا، وهذا يعود إلى استخدام قوة الخوارزميات وتحليلها والقدرة الفائقة لوسائل الاتصال الحديثة في تحديد ما يريده الجمهور المستهدف وفهم مشاعرهم، وبناءً عليها معلومات تساهم في الوصول بشكل أكبر للحملات والإعلانات، وهذا أعطى فعالية أكبر من نشر إعلان عمومي في الصحف والجرائد العامة. • وداعًا لـ “الساعة الذهبية” في إدارة الأزمة اتصاليًا لم تعد الأزمات في مفهوم العلاقات العامة الحديثة كما كانت سابقًا؛ فبما أن وسائل الاتصال أصبحت ثنائية الاتجاه، باتت الأزمة تمتلك قدرة على الانتشار أوسع وأسرع من أي وقت مضى. لم يعد الأمر مقتصرًا على وسيلة إعلامية تقليدية (تلفاز أو صحيفة) يمكن للمؤسسة من خلالها التحكم في تدفق المعلومات أو كسب الوقت؛ ففي الماضي كانت المؤسسة تملك “ساعة ذهبية” أو ربما يومًا كاملًا كمهلة للمواجهة، أما اليوم فالدقيقة الواحدة تصنع الفارق في إدارة الأزمة. لقد أصبح الفرد هو المتحكم في المعلومة وصياغتها ومصدرها، ولأجل ذلك يقع على عاتق ممارس العلاقات العامة التعامل مع الأزمات بجدية وحزم، والاستجابة الفورية لردع الإشاعات المرافقة، مع الارتكاز التام على مبدأ الشفافية. إن الإدارة الاحترافية للأزمة ومواكبة تطوراتها اللحظية ليست مجرد دفاع، بل هي أداة لصناعة الصورة الذهنية وتعزيز السمعة، وبراعة العلاقات العامة تكمن هنا: في تحويل الأزمة من تهديد إلى فرصة. • الذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة قوة فارقة وهنا النقطة الفارقة في العلاقات العامة، حيث إنها كانت تمضي بمسار الحدس والخبرة أكثر من كونها تعتمد على معلومات وبيانات دقيقة، ومن هنا أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل المشهد في العلاقات العامة. فاليوم بدل تخمين ردّة فعل الجمهور نستطيع معرفتها عبر تحليل آلاف التعليقات والمنشورات في ثوانٍ، لتعطي تقريرًا مفصلًا يجيب عن كيف تقبل الناس العمل الذي تقوم به المؤسسة أو مدى إيصال الرسائل الاتصالية للجمهور بشكل واضح ومفهوم. كما أننا نستطيع التنبؤ بالأزمات قبل حدوثها، وذلك من خلال الرصد والتحليل العميق لمشاعر الجمهور بشكل لحظي حول العلامة التجارية، وبالتالي الحد من الأزمة واحتوائها قبل أن تحدث أصلًا، ومعرفة الأسباب خلفها وتحديد كيفية إمكانية تلافيها في المرات المقبلة من خلال تقديم توصيات مدروسة وفق تحليلات عميقة. وأخيرًا إن انتقال العلاقات العامة من مجرد ممارسات إنسانية أو روتينية وتأثيرات محدودة في وسائل الإعلام التقليدية إلى قوة توسع وانتشار وخوارزميات تحكم المشهد وجمهور ذو تأثير وحضور قوي وأزمات تتشكل في دقائق، أصبح حتميًا على ممارس العلاقات العامة أن يطور من مهاراته في التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة، وفهم كيف توجه الجمهور وكيف يمكن التأثير عليهم ومجرياتهم، وأيضًا يجب على ممارس العلاقات العامة إتقان مهارات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في مجاله، ومعرفة أن الذكاء الاصطناعي قوة فارقة لمن يستطيع إتقانه والتماشي معه.
بقلم
بسام القحطاني
العلاقات العامة عبر الزمن: من الممارسة البدائية إلى الذكاء الاصطناعي
تواصل معنا
لأي استفسار أو دعم، نحن هنا لمساعدتك
info@mediagateksa.com
+966560831222
© 2026. All rights reserved.
